حسن بن موسى القادري
15
شرح حكم الشيخ الأكبر
--> - وذلك أنه تعالى لما كان موصوفا بالوجود قائما بنفسه حيّا عالما مريدا قادرا سمعيا بصيرا متكلما كذلك ولو لم يكن الإنسان موصوفا بهذه الصفات ما صحّ له معرفة هذه الصفات في جانب الحق تبارك وتعالى ، ولا تعقّلها . ولهذا ورد في بعض الكتب الإلهية : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » . ذلك لأن كل ما لم يجد الإنسان له مثالا في نفسه يعسر عليه التصديق والإقرار به ، ومن شكّ فيما قررناه فليتعقّل لنا شيئا لم يخلقه اللّه تعالى ؛ فإنه لا يقدر قطّ على ذلك ، وهذا يصلح دليلا لمن منع رؤية ذات اللّه تعالى لولا ما ورد . ثم اعلم أن الفرق بين الحق تعالى والإنسان أن الحق تعالى يتقلّب في الأحوال ، والإنسان تتقلّب عليه الأحوال ؛ إذ يستحيل أن يكون للحال على الحق تعالى حكم . قال تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] . فوقعت المشاركة في الأحوال كما وقعت في الأسماء ، فافهم هذا الفرق ؛ فإنه من أوضح الفروق وأجلاها ، فعلم أنه ليس المراد بالصورة المخلوق عليها آدم أنها ذات سبع فقط ؛ لأن الحيوان كذلك له ذات ، وهو حيّ عالم مريد قادر متكلم سميع بصير ، ولو كان المراد ذلك لكان يبطل وجه الخصوصية للإنسان ، فإن هذه الصفة إنما جاءت له على جهة التشريف له . فإن قيل : فما هذا التغيير الواقع للإنسان في نفسه وصورة الحق تعالى لا تقبل التغيير ؟ قلنا : اللّه تعالى يقول : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ [ الرحمن : 31 ] . ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « فرغ ربّك من ثلاث » . وفي حديث التجلي الأخروي يتجلى لهم الرب في أدنى صورة ، ثم يتحوّل عند إنكارهم إلى الصورة التي عرفوه فيها بالعلامة . فهو تعالى هو الذي أضاف إلى نفسه هذا المقام ، وهو عريّ عن مقام التغيير بذاته والتبديل ، ولكن التجلي في المظاهر الإلهية على قدر العقائد التي تحدث للمخلوقات مع الأنات ، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا وكذلك هو ارتفع الاعتراض الوهميّ ، تعالى اللّه عن ذلك . وقد قررنا غير ما مرة أنه ينبغي للإنسان أن يعلم ميزانه من الحضرة الإلهية ، فإن الجود الإلهي قد أدخله في الميزان ، فيوازن العبد بصورته حضرة موجده ذاتا وصفة وفعلا ، ثم لا يلزم من الوزن الاشتراك في حقيقة الموزونين . فإن الذي يوزن به الذهب أو المسك هو صبخة حديد ، فليس يشبه في ذاته ولا صفته ولا عدده ، -